عن جريدة الأخبار

“إذا كنت تعرف تهويدة النّوم، لماذا لا يأخذك النّعاس؟”ــــــ مثل فارسي

قيل أن طهران (وتلفظ بالفارسية تهران) أخذت اسمها لميزة في أرضها، فهي من مقطعين، “ته” بمعنى تحت أو أسفل، و”ران” بمعنى الأرض، دلالة على امتلائها بأماكن التخفّي البعيدة عن العين.
بدأ عدوان الصهاينة في العاصمة الإيرانية وغيرها من المدن، بضربات أمنيّة واغتيالات. وخلال الأيام الماضية كشف الإيرانيون عن شبكات عملاء، جواسيس، معامل لصناعة المسيّرات والصواريخ قصيرة المدى في أماكن متعددة. وبعيداً عن التعقيدات الأمنيّة التي تحتاج خبراء حقيقيين للحديث فيها، أفهم أن اتساع الجغرافيا الإيرانيّة يجعل من الصّعب على أي منظومة تأمينها بالكامل من قبل أصحابها، أو السيطرة عليها من قبل أي عدوان.
تخيّل الصهيوني أنّ جملة الاغتيالات التي ترافقت مع غارات جويّة على مواقع محدّدة ستضرب منظومة التحكّم والسيطرة في الجمهوريّة الإسلاميّة، وسرعان ما استعاد الإيرانيون زمام المبادرة في وقت قصير نسبيّاً، لتبدأ الحرب بالاتّساع والتّدرج.

وبات واضحاً أن استراتيجيّة الإيرانيين لا تكتفي فقط بتعطيل أهداف العدو المعلنة وغير المعلنة، بل تتجاوزها إلى تحقيق هدف مكافئ في الشكل والمضمون، أي باستهداف أهداف مشابهة لما يستهدفه العدو. ويظهر ذلك جليّاً حتى في بيانات القوات المسلّحة الإيرانية والحرس الثّوري الأخيرة حول فرض السيطرة الجوية على تل أبيب، وإنذارات إخلاء التجمعات السكنيّة.

ليس دقيقاً أنّ الحرب حدثت كمسار متعارض عن المفاوضات التي كانت جارية قبلها، والأمر هنا يتماشى مع قاعدة أن المفاوضات عمليّة سياسيّة تدار بالحوار، والحرب عملية سياسيّة تدار بوسيلة عنيفة. المعنى أن ترامب رجل الصفقات يبحث عن مكسب ما كيفما انتهت نتيجة المعركة. من جهة، يريد إضعاف إيران لنيل تنازلات أكبر في المفاوضات، ومن جهة أخرى يناور خصومه في الداخل، أي تيارّ الدولة العميقة في أميركا المتماشي مع جموح الكيان الصهيونيّ نحو توسيع الحرب مع إيران. ويعلم غالباً أن الصهيوني لن يستطيع تحقيق طموحه من الحرب، ليقوم ترامب لاحقاً بوضع هذه النتيجة أمام خصومه في الدّاخل، تماماً كما حدث في العدوان الأخير على اليمن، أي أنّه يورّط الكيان الصهيوني بشكل ما في هذه الحرب.

كلّنا نعلم أن العدوان على إيران لا يمكن أن يتم إلا بغطاء ودعم أميركيين، لكن نغمة التنصّل رسميّاً من أي علاقة بالعدوان تتّسق مع عقليّة ترامب التي تجنح نحو عقد الصفقات دون التورّط في حروب غير محسومة النتائج، أو الاستمرار في دفع كلفة الدفاع عن الصهيوني الساعي لتأمين وظيفته في المنطقة.

بلا شك، لو تسنى لترامب أن يستحصل استسلاماً غير مشروط من إيران، أو أن يتمكّن العدو الصهيوني من ضرب القدرات النوويّة لإيران، ليأتي بعدها واضعاً المشهد الختامي بإلقاء قنبلته الخارقة للتحصينات على مفاعل فوردو، بشكل يركز الأضواء عليه، فسيكون سعيداً بكلا الخيارين، لكنه يعلم أن لا هذا ولا ذاك سيحدث، ولذلك تبدو تصريحاته المتتابعة تصبّ أكثر في خانة الحرب النفسيّة.

يدرك الإيرانيون أن هناك تغيّراً ما في الإدارة الأميركيّة وطريقة تعاطيها مع الكيان الصهيوني، ولكن لا يعني ذلك الركون إلى أنّ تغييراً كهذا سيحميهم، فالأميركي في النهاية يفضّل الصهيوني عمّن سواه. ولهذا فإنهم يدركون أنه يجب استغلال رعونة الكيان في الذهاب بعيداً نحو الحرب أفضل استغلال، وهو ما نشهده حتى اللحظة في طريقة إدارة الحرب عند العقل الإيراني.

تبدو صليات الصواريخ الإيرانية كاستكمال لما بدأه حزب الله في حرب الإسناد، فمستوطنات الشمال التي ما زالت شبه فارغة مع ما فيها من دمار، قد نشهد ما يشبهها في مركز الكتلة السكانية الصهيونية، أي حيفا وتل أبيب. هناك هدف حصر هذه الكتلة في نطاقات جغرافية ضيّقة لإحداث انهيار في ما يسمى “الجبهة الداّخلية” بشكل أسرع. لدى إيران أساليب عدّة لإدارة المجهود الحربيّ، وحتى الآن لم تستخدم إلا نزراً يسيراً من صواريخ الجيل الأخير، وتكتفي بإطلاق صواريخ الجيل الأول التي بدأت تستنزف مخزونات منظومات الدفاع عند الصهاينة. لهذا أتى البيان الإيراني أمس بأن القوات المسلحة ستنتقل من مرحلة ردع العدوان إلى مرحلة إعلان الحرب، وعندها سنرى الصواريخ المباركة تتهادى نحو أهدافها بسهولة ويسر، وطرقاً أكثر فعالية مما أحدثته حتى الآن.

دخول الأميركيين المباشر والمستبعد، إن حصل، سيمنح إيران لائحة أهداف سهلة وفي متناول اليد، بل سيمنح روسيا والصين وحتى باكستان فرصة الانخراط في حرب يعلمون أن سقوط إيران فيها يعني أن يخلع الأميركيون الباب عليهم من نطاق جغرافي جديد. وحتى عرب التطبيع يعلمون أنّ كلفة سقوط إيران ستزيد كلفة الإملاءات عليهم بما لا يطيقونه.

إيران، بحكم الجغرافيا السياسيّة، تصدّرت المشهد في أهم مفصلين تاريخيين من عمر المنطقة في السنوات الخمسين الأخيرة: الأول بثورتها الإسلامية التي نقلتها من ضفّة إلى ضفّة، كمكافىء لانتقال مصر من ضفّة إلى أخرى بعد تطبيع السّادات. والثاني في معركة اليوم، التي يمنع صمود إيران فيها عن المنطقة الدخول في الشرق الأوسط الجديد ضمن عصر “إسرائيلي” خالص، ونتنياهو مصيب في أنّ الحرب هذه وجوديّة.

عوداً على بدء، إذا كان العدو يعرف تهويدة النّوم (ضرب القدرات النووية وإسقاط النظام في إيران)، فلماذا لا يأخذه النّعاس؟ الجواب في صفارات الإنذارات التي لا تنقطع في الأرض المحتلة طوال الليل؛ ففي “تهران” أيضاً وما حولها أماكن لا حصر لها، يمتلك فيها الإيرانيون ما هو قادر على سلب العدو نومه وأمانه.

م. العَملة