عن جريدة الأخبار

بعد حادثة إطلاق النّار في واشنطن (التي قُتِل فيها صهيونيّان يعملان في سفارتهما هناك، على يد الباحث الأميركيّ إلياس رودريغز، ممتثلاً لصوت ضميره الإنساني وتنفيذاً لواجبه الأخلاقي)، تعالت الأصوات مباشرة في تصنيف الحدث أنه معادٍ للساميّة. الكاذبان نتنياهو وترامب سارعا إلى ترديد هذه الأسطوانة، المنتشرة في معظم الأوساط الإعلاميّة والرسميّة، وحتّى القانونيّة، وهي التهمة اللصيقة بالعرب بالضرورة وأيّ داعم لقضيّتهم في صراعهم مع الكيان الصهيونيّ. فهل نحن حقاً أعداء للساميّة؟

الصهيونيّة ظاهرة هيمنة غربيّة، تأسست على جملة أكاذيب، منها أطروحة «معاداة السامية»، المستخدمة كسلاح ذي حدين؛ فهي من جهة كانت وسيلة لوصم كل معاد للصهيونيّة بأنه «معادٍ للسامية»، ومن جهة أخرى كانت ضرورة تبني عليها الصهيونية مغالطات سوّقتها بين جمهور اليهود أنفسهم؛ لإقناعهم بضرورة الرحيل والهجرة إلى ما سمّوه «أرض الميعاد».

لقد روّج ثيودر هرتزل لفكرة أن اليهود لا يمكنهم الاندماج مع الأمم الأخرى، بل وحذّر من خطر مثل هذا الاندماج، داعياً الأطراف التي يحاورها إلى ضرورة ترحيل اليهود ليشكلوا دولة مستقلة، لا أن يكونوا أتباع ديانة.
المفارقة التاريخيّة أن تكون الصهيونيّة كأيديولوجيا الحليف العضوي والمبرر الأكبر لما يسمى «معاداة السامية»، ولا غرابة من القول إن بلفور – صاحب الوعد المشؤوم – كان من أكبر المتصدين لحملة دخول اليهود المضطهدين إلى بريطانيا عام 1905؛ أي إنه كان «معادياً للسامية» بحسب التعريف الصهيوني!

في كتابه «إسرائيل بين اليهودية والصهيونية»، يقسّم روجيه غارودي الصهيونيّة إلى نوعين، دينية وسياسية، لكن نظرة متفحصة لجوهرهما يكشف أنهما وجهان لعملة واحدة، للأسباب التالية:

-أولاً: أن الصهيونية السياسية احتوت الدينية وطغت عليها، والرؤية الملفَّقة التي وضعتها الحكومة القيصريّة في روسيا، قبيل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا عام 1897 وسميت «بروتوكولات حكماء صهيون»، ليست سوى ارتداد عكسي للأيدولوجيا الدينية القائلة بإرادة إله مخلّص لليهود، وبأن اليهود محور العالم؛ وهي كذبة ما يزال البعض يتلقفها مؤمناً بمؤامرة «ماسونية يهودية» على العالم، والصهيونية تتلقف هذا العداء بصدر رحب لتعزيز كذبة «معاداة السامية» واستثمارها في خطاب مظلوميتها.

-ثانياً: الفكر الأصولي الانطوائي لدى اليهود وآمالهم في الخلاص، الأمر الذي استغله الساسة في يهودية لا يؤمن معظمهم بها، فهرتزل مؤسس الحركة الصهيونية كمثال، يعرّف نفسه على أنه غير مؤمن. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الصهيونية السياسية تنسخ الصهيونية الدينية متأثرة بالنزعة القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر، فهي تعتبر اليهود شعباً ولا تعرّفهم على أنهم أتباع ديانة، خلافاً لأي قيمة معرفية عقلية.

-ثالثاً: خرافة «الحقوق التاريخية» انطلاقاً من مفهوم الأرض الموعودة التوراتي الذي يعطي الصهيونية ضمنياً حقاً إلهياً في أرض لا يملكونها، استناداً إلى مدونات التوراة، فهي الوثيقة الوحيدة التي تدعم هذه الخرافة، والمشكوك في صحتها تاريخياً.

-رابعاً: أسطورة «الفراغ التاريخي». ففلسطين بحسب هذا الادّعاء مجرد صحراء جغرافية، خالية من السكان تاريخياً، ويُعبَّر عنها بشعار تافه «أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض»!

-خامساً: أسطورة العِرق، وهو مفهوم أوروبي ملفَّق يلغي التمييز بين الجماعات على أساس اللغة والثقافة والإرث بشكل عام (القومية الاجتماعية)، ولكنه يتحدّث عن فرق بيولوجي لإظهار أعراق بشرية متفوّقة على أعراق أخرى، وقد ظهر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر لتبرير الهيمنة الاستعمارية؛ وبما أن الصهيونية مثّلت البرجوازية اليهودية في أوروبا، فهي بالتالي استغلّت هذا التلفيق للخروج بما سمّوه «العرق اليهودي» أو «الشعب المختار».

مجموعة الافتراضات غير التاريخية والمستندة فقط إلى التوراة، خلقت أسطورة مشتركة لدى الصهيونية واليهودية، استفادت منه الصهيونية بطبيعة الحال، وفي معرض ذلك يقول هرتزل: «سيصبح المعادون للسامية أصدقاءنا الأكثر ضمانة، والبلدان المعادية للسامية حليفتنا»

العلم يبطل المفهوم البيولوجي للعرق، ولذلك فنموذج العرق الأبيض «المتطوّر» ومركزه أوروبا، الذي يعتبر غيره من الأعراق بدائية بقدر ابتعادها عن هذا المركز، ليس سوى كذبة سمجة. إنّ هذه النقطة بالذات تشكّل مدخلاً لدحض كذبة «معاداة السامية»، حيث لا توجد أمّة يهودية ولا عرق يهودي وإنما ديانة يهودية، وهذه الديانة على كل حال لا تشبه شريعة بني إسرائيل التي جاء بها النبيّ موسى إلى بني إسرائيل قبل تدوين التوراة بنحو ألف عام، بناء على السردية الكلاسيكية، وينسحب على هذا الكلام أن بني إسرائيل وهم من القبائل البائدة، لا علاقة قربى تربطهم بيهود اليوم ومعظمهم من الخزر في شرق أوروبا.

ثم إنّ فكرة «الشعب المختار» بحد ذاتها ساذجة، فكثير من شعوب الأرض تحمل في أدبياتها وموروثها نزعة الاصطفاء هذه، فلماذا أصبحت الفكرة – على سذاجتها – حكراً على مجموعة معيّنة لم تكن شعباً أصلاً؟

مجموعة الافتراضات غير التاريخية والمستندة فقط إلى التوراة، خلقت أسطورة مشتركة لدى الصهيونية واليهودية، استفادت منها الصهيونية بطبيعة الحال، وفي معرض ذلك يقول هرتزل: «سيصبح المعادون للسامية أصدقاءنا الأكثر ضمانة، والبلدان المعادية للسامية حليفتنا».

السامية غير تاريخية

بدايةً؛ الساميّة هي اصطلاح يقصد به جماعة ما تنتمي بالنسب إلى «سام بن نوح» المذكور في التوراة فقط والتي نقل الجميع عنها، والسؤال هنا: هل يفترض بنا الاقتناع بوثيقة واحدة تخالف التاريخ ولا تجد ما يدعم صحّتها من آثار وشواهد؟
حسبنا القول إن سام شخصية وهمية لنسقط الادعاء الصهيوني، ولكننا سنسير في الأمر بافتراض وجود سام هذا.

ظاهرة تكوّن الشعوب تاريخياً هي نتاج عملية معقدة وطويلة من التراكمات والأحداث والظروف الموضوعية التي استنفدت فيها أشكالاً اجتماعية وأعرافاً وتقاليد وإرثاً طويلاً، ولا يمكن أن يظهر شعب ما هكذا دون مقدمات، تأتي على شكل طفرات، مردُّها جفاف الأرض، نتيجة تغير مفاجئ في المناخ (كما يزعم المستشرقون). إذ إنّ الجفاف كظاهرة طبيعية نتاج عملية معقدة تتطلب وقتاً ليس بالقصير (آلاف السنين) وصولاً إلى لحظة نوعية تسمى جفافاً مقارنة مع ما كان يسود المكان قبلها. مثل هذا الافتراض يحمل إشكالات منطقية واضحة عدا عن مخالفته للآثار وعلوم الألسنيات والجغرافيا والأنثروبولوجيا التي تقول بعكسه.

-الإشكال الأوّل: الوحدة الحضارية لشعب هذه المنطقة، مهد الحضارة الأولى، والتي تعبّر عن امتدادها بإرث مشترك بدأ بعقيدة الخصب التي كانت أساس الوعاء اللغوي الذي اخترعه هؤلاء القوم، على اختلاف تفرعاته، سومرية وأشورية وكلدانية، ثم الآرامية والأمورية والعربية، والتي نُسِبوا إليها كلها تاريخياً، حسب الحقبة الزمنية.

-الإشكال الثاني: هذه الهجرات التي سموها «ساميّة» انطلقت من بادية الجزيرة العربية نحو منطقة الهلال الخصيب بدءاً من الألف الثالث قبل الميلاد وكانت تحدث على شكل طفرات مردّها الجفاف الحاصل «مصادفة» كل ألف عام تقريباً! الواقع أن هذا الكلام فيه ما فيه من التهافت المثير للضحك.

-الإشكال الثالث: أنّ الجماعات البدوية المهاجرة تقيم حضارة ودولة هكذا بشكل مفاجئ! أي إن انتقالهم من البداوة إلى حالة التمدن والاستقرار والتغير في النمط الاجتماعي يحدث فجأة ومن دون مقدمات، علاوة على أن المؤسسة الاستشراقية لا تأتي بأي معلومة مفيدة عن ماهية هذه القبائل قبل هجرتها، كما لا تأتي على ذكر الشعب الذي سكن المنطقة في السابق.

هذه الإشكالات تم التغافل عنها للخروج باصطلاح استشراقي سمّوه «الهجرات السامية» المنسوبة أصلاً إلى ما يسمى «اللغات السامية» التي كان هؤلاء المهاجرون يتحدّثونها بحسب زعمهم. والمعضلة أن التوراة تفترض أن سام جاء بعد حوالى ثلاثة آلاف عام من اختراع الكتابة باللغة الأم لهذه المنطقة على اختلاف فروعها، واختلاف طريقة كتابتها التي تطورت مع الزمن، فكيف يستقيم أن تكون إحدى اللهجات المحكية هي الأصل واللغة الأم هي الفرع؟ وكيف ننسب الأجداد إلى الأحفاد؟ أي أن يصبح الشعب ساميّاً مع أن سام وولده هم فرع من هذا الشعب (على فرض أن سام موجود).

ثم إنّ المنطقة التي تزعم المؤسسة الاستشراقية أنها كانت مسرح الهجرات، لا تحمل دليلاً أثرياً واحداً يثبت وجود هذا الاصطلاح أي «السامية»، والتسمية ظهرت فعلياً خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر على يد اللاهوتي النمساوي «شلوتزر» والذي تحمّس لإضافة ما سمّاه «اللغة العبرية» على أنها لغة الكتاب المقدس، وهو يعبّر عن ذلك بقوله: «من البحر المتوسط إلى الفرات، ومن أرض الرافدين إلى بلاد العرب جنوباً، سادت لغة واحدة، ولهذا كان البابليون والسوريون والعبريون شعباً واحداً، وكان الفينيقيون الحاميّون – نسبة إلى حام بن نوح في التوراة – يتكلّمون هذه اللغة التي أودّ أن أسمّيها (اللغة السامية)».

شلوتزر أحب أن يسمّيها السامية التي كان يتحدّث بها «الحاميون» بحسب زعمه! ما لبثت المؤسسة الاستشراقية أن أطلقت هذا التعميم على يد أبرز المستشرقين الألمان أمثال سبرنجر، جوزيف ديرنبورغ، أبراهام جيجر، وغيرهم.

من المفيد القول إن العبرية، وهي لهجة قديمة من لهجات الجغرافيا العربيّة، تختلف عن اللغة العبرية التي عناها شلوتزر؛ وهي مزيج مخترع وضعه المدعو أليعازر بن يهودا وآخرون أواخر القرن التاسع عشر، من جذور العبرية القديمة ولهجة «الإيديش» الألمانية التي انتشرت بين اليهود المقيمين هناك.

على هذه الأسس تلقفت المؤسسة الاستشراقية مجموعة الادعاءات وأضافت إلى نطاق جغرافي واسع تسميات توراتية مثل بلاد الرافدين وجمعت تراث المنطقة تحت مسمى «تاريخ الساميين»، أي بالمحصّلة إن الساميين (بافتراض وجود سام) تعود علينا، نحن أهل هذه البلاد، ولا علاقة للحثالات الصهيونية الغازية بها.

هل نحن معادون للساميّة إذاً؟ سؤال يحتمل أمرين: هل السامية موجودة أصلاً؟ وهل يعادي المرء العاقل نفسه؟

م. العَملة