لا أعلم من أين أبدأ، وقد خطر في بالي ذات السؤال الذي سألته لنفسي يوم تشييع سيد شهداء زمانه سماحة السيد رضوان الله عليه، كيف سيكون يوم عيد المقاومة والتحرير دون حضوره، واليوم يحضرني ذات السؤال في ليلة العاشر من محرم الحرام، لأنني لا أتخيل هذه المناسبات دون صوته ووجهه.

مضى السيد شهيدا مقتديا بجده الحسين سبط النبي العربي، عليهم سلام الله، وقد كان خير من تحدث عن يوم كربلاء، مستحضرا إياها في كل سياقات التضحية والفداء والنخوة ونصرة المظلومين مضى شهيدا في إسناد غزة، وكربلاء تقع فيها منذ شهور اقتربت من السنتين.
في آخر خطاب عاشورائي له في السنة الماضية استحضر سماحة الأمين الشهيد غزة في ثوبها الكربلائي إذ قال: “السلام على غزة وأهلها وشهدائها وجرحاها، والسلام على نسائها ورجالها وأطفالها، والسلام على جوعها وعطشها، وعلى شموخها وإبائها وبطولاتها ومعجزاتها”.

كان صوت السيد كصوت زينب في وجه طواغيت الأرض وكم من يزيد هذه الأيام؟! كان العباس فينا، يواسي جراحالمظلومين، ويندفع بنخوة ومبدأ للدفاع عنهم، وكان حسين زمانه في شهادته.

سمعت الكثيرين قبل شهادة السيد، ممن كانوا يشيرون على المقاومة أن تتراجع وتتوقف عن إسنادها، أو تهجم بلا حساب ولا ضوابط، ولم أسمعهم يقولون أن حسين زمانه مضى في حرب الإسناد، بدافع الأخلاق ونصرة المظلوم، دون أي حسابات أخرى، متمثلا الشعار الذي كان يقوله دوما “هيهات منا الذلة”.

هو نفسه أجاب على هؤلاء في خطابه العاشورائي، عندما طلبوا من لبنان وقف إطلاق النار والدخول في عباءة التطبيع فاستشهد أبو هادي بما قاله الإمام الحسين وسط الحصار: “لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد”، وذات المقولة رفعها أهل الجنوب في شوارعهم مع صورة للشهيد أبي إبراهيم السنوار، الذي كان آخر كلامه المنشور في الإعلام “لتكن كربلاء ثانية”!

لهذا كله، لم يكن إحياء تقاليد عاشوراء إغراقا في التراث، بل توظيفا له، وإن كان في وصف معركة “الطف” ما له علاقة وجدانية بالمشهد في غزّة أو جنوب لبنان أو اليمن والعراق وإيران أي جيوش وعتاد يحاصر قلة لكنها كثيرة الإيمان، تقاتل حتى آخر رمق؛ فيتجلى الحسين في مفهوم المقاومة؛ فإن الواجب أن لا تكون كالذين تركوا آل بيت النبي في الميدان وحدهم. قاطع، تظاهر، تذكر المأساة وأشعر بها، اقرأ واكتب، وارفع السلاح لو تمكنت، ساعيا أن تكون مع مقاومتك بكل السبل، فتكون مع الحسين؛ وامنع كربلاء ما استطعت.

الحسين عناوين في جسد؛ فرع طيب لأصل طيب، وعنوان ثبات في وجه العدو، تضحية في سبيل فكرة سامية، عزّة صافية لا ذلّة فيها، اجتمعت الناس على حبه، وما كرهه أحد إلا عن خسة؛ لذلك يتضافر التاريخ والسير الشعبية والحاضر، لترسيخ هذه الصورة عنه.

الحسين يتجاوز فكرة التضحية والشهادة لما هو أبعد من ذلك… فكرة النصر القادم أي انتصار الدم على السيف، وإعادة تعريف الموت بما يليق به، أن لا يكون نصيبك من الدنيا الجبن والذل، بل نهاية مشرفة؛ لتمنححياة كريمة لمن هم بعدك، وأن تعيش الحياة لا هدفا في إطالتها، بل في البحث عن معنى لها، كيف لا وهو القائل عند خروجه إلى الكوفة: “خط الموت على ولد آدم مَخَط القلادة على جيد الفتاة”.

سلام الله على صغار كلهم عبد الله الرضيع -في غزة.. سلام الله على الزينبيات في خيام و مقصوفة محروقة، يواجهن دبابات العدو في الجنوب بلا سلاح وسلام الله على من منع الماء عنهم في كربلاء الأمس واليوم سلام الله على كل مسلم بن عقيل، رفع صوته، فكان خير سفير لقضيته..

سلام الله على كل عباس في جبهات الإسناد يرمي صواريخ الرعب في عمق الكيان، وعلى أم البنين تجود بأبنائها الشهداء في كل ساحة قتال. سلام الله على الحسين، الحي فينا، ما دامت المقاومة موجودة.

و سلام الله ورحمته وبرك وبركاته على من أفتقد صوته كثيرا وهو يقول ما قاله الحسين يوما: “ألا وإن الدعي بن الدعي -يعني ابن زياد ـ قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة! يأبى الله لنا ذلك رسوله والمؤمنون، وحجور طابت وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر”..

هكذا يمضي الشهداء كلهم على درب الحسين، ولهذا نقول:
“ما ترکتك یا حسین”

– م. العَملة