عن جريدة الأخبار

«تنجح الصفقات بشكل أفضل، عندما يحصل كل طرف على ما يريده من الآخر»
«حتى يومنا هذا، إذا شعرت أن المقاول يبالغ في سعره، أهاتفه حتى من أجل صفقة بخمسة أو عشرة آلاف دولار، وأشتكي. الناس يقولون: لماذا تتعب نفسك من أجل بضعة دولارات؟ أجيب: في اليوم الذي لا أستطيع فيه إجراء مكالمة بخمسة وعشرين سنتاً لتوفير عشرة آلاف دولار، سأغلق متجري!» ــــــــ دونالد ترامب، «فنّ الصّفقة»

عندما استدعى ترامب نتنياهو للحضور إلى واشنطن أمام وسائل الإعلام، قبل نحو شهر من اليوم، ذهب الأخير متفائلاً بأربعة مطالب تفرضها معطيات المرحلة الحاليّة: أوّلاً، ضربة عسكريّة لإيران، ثم دعم التصعيد مع تركيا في سوريا، وإزالة رسوم التعرفة الجمركيّة التي تفرضها الولايات المتحدة للمرة الأولى على الكيان الصهيونيّ، وأخيراً ما يتعلّق بقطب الرّحى في غزّة وجنوب لبنان، أي ملفات الأسرى وسلاح المقاومة ومسارات الحرب والتّهجير.

وعلى غير ما يأمل، جاءت صفعات ترامب متتالية تجاه مطالب نتنياهو، في الذهاب نحو مفاوضات غير مباشرة مع الإيرانيين، اعتزازه بصداقة إردوغان، رفضه إزالة التعرفة الجمركيّة على الكيان، والرد بمواربة حول وقف الحرب والتّهجير. وزاد ترامب من صفعاته على وجه نتنياهو أن قال قبل أيام إنه لن يسمح له بجرّه إلى حرب مع إيران، وإنه مستعد للقاء المرشد الأعلى السيّد علي الخامنئي.

الإعلان، بعد الجولة الثالثة، عن وجود خلافات تقنيّة وتفصيليّة في المفاوضات بين إيران وأميركا، يشير إلى جملة رسائل إيجابيّة؛ فالقول إنها خلافات تقنية يعني أنها قطعت شوطاً مهمّاً في الاتفاق على الأرضيّة السياسية والمواضيع التي تناقشها، وتسير بوتيرة أسبوعيّة. الفكرة أن أميركا وإيران تعلمان ما يريده كل طرف من الآخر، بمعنى: أميركا بإدارة ترامب ليست حمامة سلام، هي ببساطة تفعل ما تقتضيه مصلحتها بالدّرجة الأولى، وتعلم أن خيار الحرب على إيران مكلف وخطير، لأن «امتيازات» الطاقة الأميركية في المنطقة في متناول يد الإيرانيين إذا ما هوجمت بلادهم، والإيراني بارع في التفاوض، إذ يقدر على فصل الملفّات عن بعضها، ويحوّل التهديدات إلى فرص، فينظر إلى الاتفاق النّووي من الزاوية ذاتها التي دفعت ترامب إلى الانسحاب منه في السابق.

تحليل المسألة يفترض سؤالَ «كيف يفكّر ترامب؟» للإجابة لاحقاً عن سؤال «ماذا يريد ترامب؟»؛ وجوهر الأمر أنّه يطمح لتأسيس دولة عميقة بديلة عن دولة الشّركات، وقد أعلن بوضوح عن ذلك قبل أربعة أيّام. الشّركات هنا كناية عن «كارتيلات» عابرة للحدود، تؤمّن هيمنة الغرب مصالحَها، وتقتضي من رأس الهيمنة (أميركا) أن تظل في حالة حرب شبه دائمة؛ وترامب الذي اصطدم في مدّته الرئاسيّة الأولى معها، يسعى إلى الانتهاء سريعاً منها ومن معضلة خصومه في الدّاخل، ليتفرّغ نحو مواجهته التّجارية -حتى الآن- التي تتوسّع مع الصّين، وهنا يحتاج إلى كل عناصر القوّة من امتيازات وعقود حصريّة ترفد الاقتصاد الأميركي وتخدمه، عكس الحاصل سابقاً بأن تكون الحكومة والدولة في خدمة الكارتيلات العابرة للحدود. ولهذا، يصبح منطقيّاً أن نفهم سبب إلغائه الاتفاق السابق الذي يؤمّن مصالح الشركات ويبدو مفيداً للأوروبيين أكثر منه للأميركيين الذين يخوضون الحروب ويتحمّلون معظم نفقاتها نيابة عن حلفائهم.

أركان جبهة المقاومة، وبعد عام ونصف عام على «الطوفان»، يوقنون بأن موازين القوى تتطلّب ما هو أكثر من حلف مع الصين أو روسيا أو كلتيهما لمواجهة الولايات المتحدة، ومن هنا تبرز فكرة التعاطي بشيء من البراغماتيّة مع الوضع القائم

الإيرانيّون يريدون، في المقابل، تأمين مشروعهم النوويّ، والإفراج عن أصولهم الماليّة المجمّدة، وتفعيل خطّة تطوير للاقتصاد المتأزّم بفعل العقوبات، وربّما أيضاً إيصال رسالة غير مباشرة إلى أصدقائهم في الشّرق (الصّين وروسيا) أن لدى إيران ما يمكن أن تحقّقه من مكاسب بتعاطيها المباشر مع أميركا، بل تذهب بعيداً في أن تجعل من هذا الاتّفاق تعزيزاً لقوّة ترامب في مواجهة دولة الشّركات، وبالتّالي تعاطٍ بطريقة جديدة مع مشروع كسر الهيمنة الغربيّة.

ما أقصده أنّ اتّفاقاً كهذا، إن حصل، سيمنع عن حلفاء دولة الشركات الغربيين الامتيازات التي يطمحون لها، لتستأثر أميركا الترامبيّة بهذا كلّه، وتخلق سبباً جديداً للخصومة وتضارب المصلحة بينها وبين حلفائها التاريخيين، تبدأ بالأوروبيين ولا تنتهي عند الكيان الصهيونيّ نفسه، الذي بدأ يستشعر أن الغطاء الأميركيّ اللامحدود بات مرهوناً بمصالح أميركا نفسها أوّلاً.

يعلم الصهيونيّ أنّه لا يستطيع ضرب إيران وحده، ولا يقوى على ذلك، ويعلم أكثر أن الاتّفاق النووي إن حصل فسيفقد معه أحد مبررات وجوده في أن يكون شرطي المنطقة لمواجهة ما يسمّونه النفوذ الإيراني، وربما ينسحب الأمر لاحقاً لاتفاق أميركي مع لبنان مثلاً، للاستثمار في حقول الطاقة المكتشفة، ووقتها سيتعاطى ترامب مع الأمر على أنّه امتياز أميركي خالص، لماذا سيسمح للصهيونيّ بمشاركته فيه؟

لعلّه يقول له: لقد أضعت فرصة مستمرّة منذ عقود ودعماً لا متناهياً في احتلال هذه الأرض والقضاء على مقاومتها، فليس هناك ما يمكنني أن أمنحه لك أو أقاسمك فيه. لم تستطع الانتصار على ركن المقاومة الأصغر مساحة والأقل إمكانات (أي غزّة)، رغم سيل السلاح المتدفق بلا انقطاع، ومليارات الدولارات التي ترفد خزينتك، فلماذا الاستمرار في الرّهان عليك؟

من البديهيّ أن الكيان الصهيونيّ ذراع الهيمنة الغربيّة في بلادنا، وأداتها الهجوميّة لتأمين مصالحها في مواجهة خصومها، أي نحن، أهل هذه البلاد، ومن المنطقي أن يدافع الغرب عن بقائه ما دامت هناك مصلحة ومقدرة لتأمين الهيمنة، ولكننا نتناسى أن الأمر البديهي المقابل، أن يفقد الكيان فرصة وجوده إذا أصبحت كلفة الدفاع عنه أكبر من كلفة الإنفاق عليه لتأمين المصلحة التي وجد من أجلها، وينسحب الأمر ذاته على بقيّة أتباع أميركا أينما وجدوا.

أركان جبهة المقاومة، وبعد عام ونصف عام على «الطوفان»، يوقنون بأن موازين القوى تتطلّب ما هو أكثر من حلف مع الصين أو روسيا أو كلتيهما لمواجهة الولايات المتحدة، ومن هنا تبرز فكرة التعاطي بشيء من البراغماتيّة مع الوضع القائم، الذاهب نحو تغييرات كبرى بدأت منذ اليوم الأول لتولّي ترامب حقيبته الرئاسيّة الثّانية، لتفرض انكفاءً مرحليّاً قد يتم توظيفه في تأسيس مقاربة إستراتيجيّة جديدة في التعاطي مع الولايات المتّحدة، دون إنكار للضربات الأميركية التي تعرّضت لها جبهة المقاومة، أحد أهدافها نقل الحرب الأميركية إلى نطاق جغرافي آخر بعيد من بلادنا، التي استنزفت الأميركي طوال عقود، مانحة قوى عدة في العالم فرصة أن تبني نفسها وتتطور، دون تقدير للخدمة الجليلة المقدّمة منّا للكوكب بأجمعه، إذ حملنا على عاتقنا مواجهة هيمنة القطب الأوحد.

لست بصدد الدفاع عن الاتفاق أو مهاجمته، ولا التبرير لإيران أو غيرها، كما إن المعطيات السابقة لا تعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن الكيان الصهيوني، أو إن أحدهما أو كليهما لن يرتكب حماقة إشعال المنطقة في حرب جديدة، إنما محاولة تحليل ما يدور، مبتعداً عن الخلط النّمطي لطبيعة الولايات المتّحدة بين نموذجها الوحشي السابق، ونموذجها الترامبي -الوحشي أيضاً- الجاري تشكيله، وكل ما في الأمر أن منطق العصا والجزرة التّرامبي واضح ومباشر: إن لم تستطع مقاسمتي الجزرة، فلن يكون لك إلا العصا، حتى لو كنت حليفاً لي.

م. العَملة