
عن السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كنتيجة لحرب تموّز المجيدة!
وعد على وعد ؛ ووفاء على وفاء..
في الخط الزماني للصراع مع العدو الصهيونيّ، نضع حرب تمّوز المجيدة 2006، التي انطلقت في مثل هذا اليوم، كعلامة فارقة، في الطريقة التي تدير بها المقاومة معركة التّحرير.
ربّما يبدو ظاهريّا أن السبب الفعليّ للحرب، نجاح حز.ب الله الغالب في أسر الجنديين “إيهود غولدفاسر” و”إلداد ريغيف” في عمليّة “الوعد الصّادق”، لكن البداية الفعليّة حدثت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول!
لنعد بالزمان قليلا، إلى ما بعد تحرير الجنوب في أيار/مايو عام 2000. وقتها أخذ الحزب على عاتقه مسؤولية إغلاق ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الصهيونيّة، وعلى رأسهم، عميد الأسرى، الشهيد سمير القنطار.
في السابع من أكتوبر، عام 2000، نفّذت المقاومة عمليّة نوعيّة في مزارع شبعا المحتلّة، ونجحت في أسر أربعة صهاينة، قتل ثلاثة منهم. نزل الخبر كالصاعقة على “إيهود باراك”، رئيس وزراء العدوّ آنذاك، الذي انسحب من جنوب لبنان، تحت وطأة هجمات المقاومة، قبل عملية الأسر بشهور قليلة، فلم يكن في وارد الصهاينة التصعيد مع حزب الله.
خلال السنوات الثلاث التالية، انشغل العالم بالعدوان الأمريكي على أفغانستان والعراق، وانهمك الحذاء “شارون” الذين أصبح رئيسا للوزراء، بملف انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية 2002)، وكان محتمّا عليه إبقاء الجيش متمركزا في الضفّة وغزّة، ولجملة الأسباب هذه، جرت صفقة تبادل، بتاريخ يناير/كانون الثاني 2004، وخرج عدد من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، لم يكن بينهم سمير القنطار.
في كلمته آنذاك، توعد سماحة السيد الشهيد، رضوان الله عليه، العدو بقوله: “كان على العدو أن يطلق سراح سمير القنطار، ولأنه لم يفعل، فأنا أؤكد لكم أنه سيندم في المستقبل”. وهذا ما كان..
جاءت عملية الوعد الصادق تكملة لما بدأته المقاومة في السابع من أكتوبر، وكما أسلفت أول الكلام، نجحت في أسر جنديين، ثم جاءت حرب الثلاثة والثلاثين يوما،(الأطول آنذاك)، تموز المجيدة، متوائمة مع المناخ الدولي الذي بدأ بحصار سوريا والمقاومة تحت بند القرار 1559؛ هزِم الصهاينة، انتصرت المقاومة، خرج سمير القنطار، أغلِق ملف الأسرى، اعترف إيهود أولمرت بعجزه عن نزع سلاح حزب الله أو هزيمته.
في كتاب “حزب الله، السياسة والدّين” الصادر عام 2009، تشرح الدكتورة “أمل غريّب”، أن مفهوم المقاومة لدى الحزب، حتى عام 2000، كان معنيًّا بالنضال الشعبيّ ضد الاحتلال، وبعد انسحاب العدو من الجنوب بدأ الحزب في تطوير عقيدته القتالية، لما يشبه الجيوش النظاميّة، أي الدفاع عن مواقع، فقد تحوّل من طريقة” اضرب واهرب” التي تشكّل عماد حروب العصابات، إلى طريقة حروب المواقع، ويصف أحد قادة الصهاينة الأمر بقوله: “المقا.و.مات تحرر الأرض، لكن أن توجد مقا.و.مة، تمنع العدوان على بلد؛ فهذا أمر جديد”!
بتلك الطريقة تحول الحزب، إلى قوّة شبه نظاميّة، وتضيف الدكتورة “أمل غريّب”، أن المقاتلين رغم انتمائهم لحاضنتهم الشّعبية، إلا انهم تمايزوا عنها، بهندام عسكريّ، وتحصّنوا في ثكنات خاصّة، وابتعدوا عن الاختلاط بالسّكان إلى الحدّ الأدنى.
مثّلت حرب تموز المجيدة، تجربة عمليّة على الكلام أعلاه، ففي النظرية الغربيّة عن الحروب غير المتماثلة، تمكن مجاهدو المقا.و.مة من دمج الأساليب غير التقليدية، الخاصة بحروب العصابات، في نمط العمليات التقليدي العادي الذي تتبعه الجيوش النظامية، وبالدفاع المستميت عن مواقع بعينها، منعت الصهيوني، في نهاية المطاف من التواجد البريّ، والتسليم بالهزيمة.
أكثر من ذلك، يرى العدو أن المقتل الاستراتيجي في حرب تموز، يصل إلى فشله، في استعادة مفهوم “صناعة الوقائع”، فالحرب التي أرادوها هم والأمريكان كتمرين دمويّ لتطبيق القرار 1559، لنزع سلاح المقا.و.مة، ووضع حجر الأساس لمشروع الشرق الأوسط الجديد، فشل تماما في تحقيق غايته، بل زادت عليه المقا.و.مة أنها تمكنت من مراكمة القوة الصاروخية لديها، والتحول من توازن الردع إلى توازن الرعب، الذي استمر ثمانية عشر عاما.
النقطة الأخيرة بالذات، تزيد من حجم الفشل الإستراتيجي الصهيونيّ في مواجهة المقا.و.مة؛ فالتحليلات بعد تموز 2006، ربطت احتواء حز.ب الله، بالقطع بينه وبين إيران، وبينه وبين سوريا، وإدخاله في فتنة داخلية، لكن وقائع السنوات الماضية جاءت مغايرة تماما لهذه الرؤية، يعززها ما سبق من إقرار عسكري بالهزيمة، مثل التقرير الذي أصدره القاضي “إلياهو فينوغراد”، ويمكنكم البحث عنه خلال الانترنت.
لهذا كلّه، بقي السؤال الصهيونيّ دوما يتجه نحو الحرب الثالثة مع لبنان، لاستعادة معنى الردع، واستعادة عقيدة التفوّق، فقرار 1701، الذي توقفت بعده الحرب، فُهِم وقتها على أنه هدنة بين حربين، وأن الحرب الثالثة قادمة لا محالة. بعد الطوفان، وخلال معركة الإسناد، بدى أن تنفيذ القرار أتى بشكل معكوس؛ فبدل انسحاب المقا.و.مة وراء نهر الليطاني، أتى انسحاب الصهاينة من الشريط الحدودي مع لبنان لعمق أكثر من 5 كيلو متر، قبل مجزرتي البيجر واللاسلكي، ثم اغتيال السيدين رضوان الله عليهما، والدخول في معركة أولي البأس.
ما كان يخيف العدوّ وما زال، لا يتعلق فقط بالصواريخ الدقيقة التي يمتلكها الحز.ب الغالب، والقادرة على ضرب ما يختاره المجاهدون على امتداد الأرض المحتلّة، بل في الخوف الصهيونيّ من امتلاك المقا.و.مة منظومة الدفاع الجويّ، أمام طيرانه الحربيّ، فالصهيونيّ يؤمن بلاهوت عسكري اسمه “تفوّق سلاح الجو”، وأي زعزعة له، تعني المساس بجوهر الوجود الصهيوني في بلادنا، وتعطيل آخر رهانات القدرة في الصراع مع العرب، بحسب ما تراه الدكتورة “أمل غريّب”.
مسألة الحرب الثالثة (الجارية اليوم)، عمل عليها العدو منذ زمن، وفيها كتب المفكر الصهيونيّ “إسحاق بن اسرائيل” بعد أيام قليلة من إعلان انتصار تموز 2006: “الحرب المقبلة لن تكون شبيهة بالأخيرة، فقد تقع ضد جيوش كبيرة مثل الجيش السّوري، أو عدو بعيد مثل الإيرانيين. علينا التعامل بجديّة مع تهديداتهم العلنيّة. ليس لدينا وقت كثير للاستعداد، وعلينا البدء بالمهمة مباشرة”.
اليوم، بعد سقوط سوريا، وانخراط إيران بشكل مباشر في الحرب، وحديث العدو المتواصل عن إعادة تشكيل” الشرق الأوسط” من جهة، وأوهام نزع السلاح من جهة أخرى، تقف المقا.و.مة وسط هذه المتغيرات ترمم وتتعافى، وتعلن جهوزيتها. صحيح أنها أخلت جنوب الليطاني من السلاح، لكنها لم تخله من المقا.و.مين أنفسهم، أي من بيئة المقا.و.مة، وتتعاطى بغموض يقلق العدو كثيرا، وخلاله ما زالت تفسح المجال للدولة نحو تطبيق شامل للقرار 1701 الذي كان نتيجة حرب تموز، لكنها لن تصبر كثيرا.
صمدت المقا.و.مة في تموز ثلاثة وثلاثين يوما، وصمدت في المعركة الأخيرة تمّوزين لستة وستين يوما، ومن أعلن الانتصار في تلك الحرب التي تمر ذكراها اليوم، قد أعلن انتصاره خلال المعركة الأخيرة بدمه، أما أبناؤه ومحبّوه، فحاضرون في كل ساح، لن يتركوا السلاح… وعلى العهد دوماً.
م. العملة


