بعد فترة عصيبة أواخر القرن التاسع عشر. بدأت في 1861 وانتهت عام 1865، يسمونها “الحرب الأهلية الأمريكية” بين الشماليين ( في الشرق) والجنوبيين (في الغرب) ؛ بدأت حكاية تأسيس “الغرب الأمريكي” الذي يمتد من ولاية “ميزوري” وينتهي باتجاه الغرب والجنوب وصولا إلى “تكساس” وتخوم المكسيك.

قد يكون وصف الشمال / الشرق المتطور، في مقابل الجنوب / الغرب الشاسع الفني بالثروات والرافض لقرارات واشنطن بضمه تحت حكومة فيديرالية واحدة وصفا مقبولا لنتيجة “الحرب الأهلية”، لكن سياق حديثنا غير مرتبط بصراعات وتذابح البيض مع بعضهم البعض، بل بما تعاونوا عليه منذ وطأت أقدامهم أرض “العالم الجديد” في إبادة ممنهجة للسكان الأصليين الذين يسمونهم “الهنود الحمر”.

حتى أواخر القرن التاسع عشر، قتل وهجر ملايين السكان الأصليين من أراضي الشرق نحو الغرب، وبقيت قبائل قليلة فقط في الغرب متمسكة بمكان إقامتها الأصلي، منها قبيلة “لاكوتا” التي تزعمها قائدان شهيران لقباب الحصان الجامح” و”الثور الجالس”.

خاض القائدان معا معارك ضارية ضد المستعمرين. انتهت بتوقيع اتفاقية مع الحكومة الفيدرالية تنص . على بقائهم في أرضهم دون أن يتعرض أحد لأبناء قبيلتهم، لكن الاتفاق لم يكتب له الاستمرار؛ فبعد ثلاث سنوات من توقيعه اكتشف المحتلون كميات وافرة من الذهب في نفس المنطقة التي تقيم فيها “لاكوتا”، وعلى إثر ذلك تجدد القتال مرة أخرى.

رأت الحكومة الفيدرالية في الذهب فرصة للخروج من أزمتها الاقتصادية، وعامل جذب لعزوف أهل الشرق عن الهجرة نحو الغرب، لكن النجاح بالنتيجة المرجوة لم يكن ممكنا؛ فالغرب على الرغم من غناه بالثروات كان مأهولا بالسكان الأصليين، هذا أولا.

ثانيا، كان معظم الجنوبيين الممتعضين لنتيجة “الحرب . الأهلية”، يشكلون عصابات تهاجم الحكومة الفيدرالية، وتسطو على المصارف مما جعل الغرب بأسره منطقة مفتوحة على احتمالات عدم استقرار. ثالثا، وهو الأهم، افتقار الغرب للخدمات الأساسية للإقامة أو الاستثمارات.

بسبب كل ما سبق، كان الحل بإنشاء خطوط السكك الحديدية، لربط الشرق بالغرب. وكأن الأمر سحر؛ إذ تحولت خطوط السكك الحديدية إلى شريان حياة لدى المستعمرين الجدد، لكنها حملت الموت الأسود للسكان الأصليين.

قاومت “لاكوتا” مشروع مرور السكك المزمع أن يمر في أراضيها؛ إضافة لمناوشتها الدائمة للجيش الأمريكي الذي يحاول طردها للحصول على الذهب المكتشف، وبات الأمر للحكومة الفيدرالية ملحا وضروريا.

جاءت الفكرة القاضية بقتل جواميس البيسون “البافلو” كنوع من الحرب النفسية والمادية على السكان الأصليين؛ فهم يقيميون حيثما تتواجد الجواميس التي يعيشون من صيدها، يتناولون لحومها، ينحتون من عظامها أدواتهم، يخيطون لباسهم من فرائها، بل ويصنعون الخيوط والحقائب من أحشائها.

خلال فترة لا تتجاوز الثلاث سنوات بدءا من عام 1874، بدأ الصيادون الشماليون بالتوافد نحو الغرب لقتل الجواميس، خصوصا وأن الحكومة الأمريكية وفرت لهم مبالغ مجزية، وذخيرة ومكان إقامة في الغرب، وزاد الأمر سوءاً إعلان شركات القطارات البخارية عن السماح بصيد الجواميس من على متنها.

فيركب الصيادون القطار لقنص الجواميس أثناء تحركها على جانبي السكك الحديدية.

الحاصل أن أعداد الجواميس انخفضت بحلول العام 1877 من ستين مليونا إلى أقل من ألفي رأس. نعم؛ ألفا جاموس من أصل ستين مليونا خلال ثلاث سنوات.

أثمرت سياسة التجويع هذه عن تفرق أبناء قبيلة “لاكوتا”.. الحصان الجامح” بقي يقاوم مع ثلة قليلة حتى قتله المستعمرون الجدد، أما “الثور الجالس” فانسحب بمن تبقى من قومه شمالا بمحاذاة الشريط الغربي، متجها نحو كندا، ليعود بعد بضعة سنين ويقيم في معسكرات تحت أعين الجيش الأمريكي، وخلال سنوات قليلة نشأت أسطورة الغرب الأمريكي المفارقة أن ثقافة رعاة الأبقار قامت على أشلاء السكان الأصليين وجواميسهم؛ وحتى الساعة، استمر الوجود الأمريكي بالحرب والحصار.

اليوم تمنع الويلات المتحدة ومعها قاعدتها الأهم “اسرائيل” عن بلادنا “الجواميس”، أي النفط والغذاء، وحتى السلاح، وتضع العقوبات الاقتصادية. يحدث ذلك على من يقول “لا” في وجهها، في فلسطين واليمن وجنوب لبنان . وإيران، لكنها لا تدرك أن أمتنا رغم كل مشاكلها لا تحاصر ولا تباد، لاعتبارات كثيرة ولا أقصد التقليل من شأن السكان الأصليين للقارة الأمريكية-؛
فنحن قادرون دوما على خلق جواميس بديلة نعتاش منها رغم كل الماسى، لأن الأبقار التى يحلبها رعاة الأبقار؛ سينتهي مالها يوما ما، ولن تعود قادرة على إنتاج ما يسيل له لعاب هذا العالم الجشع. أمات من انحنى لهذا العدو كما يحصل مع حكام سوريا الجدد، فمصير “الثور الجالس” بانتظارهم.

– م. العَملة