عن جريدة الأخبار
خلال لقائهما قبل أيام في البيت الأبيض، تعاطى ترامب مع زيلينسكي بحجمه الحقيقي كممثل كوميدي رديء، ولعلّ المشهد قدّم صورة استشرافيّة لـ«السياديين جدّاً» الذين يتحفوننا بأحلامهم الوردية عن العلاقة مع الولايات المتحدّة. رسّخ ترامب أكثر في هذا اللقاء من توجهه نحو تقويض «لوبي العولمة» والانكفاء أكثر نحو الداخل لبناء هويّة قوميّة للأميركيين، هذا من جهة، وللتركيز لاحقاً على ما يشكّل مصلحة أمنية وإستراتيجيّة في الصراع مع الصين، من جهة أخرى، وبينهما خلق شرخاً في علاقة أميركا بأوروبا، فهو لا يرى أن اللعب في المساحة الجيوسياسية لروسيا يشكّل أولويّة، عكس الأوروبيين، خصوصاً بعد أن جرّتهم أميركا إلى وحل أوكرانيا؛ فبات حسم الأزمة بالشكل الحاليّ لمصلحة روسيا، يشكّل خطراً أمنيّاً عليهم.
بعيداً من الزوايا الانعزاليّة في مضمونها والضيقة في أفقها التي يحلّل بها البعض المسائل السياسيّة، محليّاً أو إقليميّاً، تجد الأزمات والحروب القائمة ما يفسّرها، بأن تكون أحجاراً تترتب في فسيفساء منتظمة تمنح صورة واسعة للمتغيّرات الجارية حول العالم، تشكّل فيها الولايات المتحدة «بشكلها الترامبي» لاعباً أساسياً في ما يحصل شرقاً وغرباً.
فعليّاً، الإجراءات التنفيذيّة «الترامبيّة» المتتالية، تترجم برنامجاً مخطّطاً له مسبقاً، وبزخم كبير، قياساً على أنه لم يصبح رئيساً إلا منذ شهر وبضعة أيّام، ورغم أن كثيراً منها يتعلّق بالشأن الداخلي، ولكن معنى الانكفاء المرحليّ الذي تمنحه ينبئ عن شكل جديد للعلاقات الدوليّة تمهيداً للصراع الأميركي الصّينيّ، الذي ستكون نتيجته حينها شكلاً جديداً في النّظام العالميّ، وهذا ما يشغل عقل التّاجر لدى ترامب.
قبل نحو ثلاثة أسابيع، التقى ترامب في واشنطن مع مودي، رئيس الوزراء الهنديّ، وطرح خلال اللقاء رؤيته للطريق التجاري الذي سيمتد من الهند عبر المحيط الهندي، فدول الخليج العربي، فالكيان الصهيونيّ، وصولاً عبر البحر المتوسّط لأوروبا عبر إيطاليا.
الفكرة (القديمة بالمناسبة) يمكن تعريفها بأنّها النقيض لمشروع «الحزام والطّريق» الصّيني، في خلق طريق بديل للتجارة العالميّة، تفترض بأن يكون الكيان الصهيونيّ واسطة العقد، ومركز الثّقل الغربي كنقطة «ترانزيت» أخيرة قبل الوصول إلى أوروبا، لكن تنفيذها بأريحيّة اصطدم بـ«طوفان الأقصى»، الذي كشف عن أزمة بنيويّة في وظيفة الكيان الصهيونيّ نفسه، وفي عدم قدرته على الدفاع عن نفسه، وما سياق الأحداث الجارية منذ نحو سنة ونصف سنة إلا محاولة غربيّة فجّة للهيمنة، بقيادة أميركيّة، لتأمين إسرائيل وضمان استمراريتها في وظيفة استعماريّة جديدة.
وصل ترامب للبيت الأبيض مرة ثانية وأمامه تغييرات جذريّة بعد «الطّوفان»، واستكمال لما بدأ فيه في المدة الرئاسيّة الأولى من اتفاقات التطبيع الإبراهيميّة، مروراً بإعلانيْ ضم الجولان للسيادة الصهيونيّة، والقدس كعاصمة للكيان، وصولاً إلى التوسع الفعلي في احتلال جنوب سوريا، وما يسمونه أحزمة أمنيّة داخل الأرض اللبنانية والحصار المطبق على قطاع غزّة، وسياسة الجزر المعزولة في الضفّة الغربيّة.
جملة الأحداث هذه تمثّل ضلعاً في مثلث «توسّع- تهجير- تقسيم»؛ والهدف منها أن يكون الكيان الصهيوني واحة استقرار، واسع المساحة جغرافيّاً إذا ما قورن بمحيط يطمحون إلى تقسيمه، ثم إعادة توزيع ديموغرافي فيه عبر خطّة التّهجير.
صحيح أن الأميركي يعمل ضمن المثلث السابق بشكل متزامن، والمثال السوري يشرح الأمر بوضوح؛ انهيار سريع في الدولة السوريّة ثم تدمير مقدّراتها العسكرية بشكل كامل تقريباً؛ توغّل صهيونيّ في محافظات الجنوب مترافق مع عمل استخباراتي محموم هناك لنشر خطاب تفكيك وتقسيم، ودعوات انفصال، ثم ادعاء صهيونيّ بالجهوزيّة للدفاع عن الأقليّات، مع غياب واضح للإدارة الجديدة، والنتيجة المرجوّة أن يتم تقسيم جغرافيا «سايكس-بيكو» لكانتونات طائفيّة وعرقيّة ضعيفة أمام العدو الصهيونيّ المهيمن، وصغيرة المساحة أمام رقعته التي تتوسع حاليّاً بشكل يوميّ.
الوصول إلى هذا الشكل من التقسيم الطائفي والعرقي يضمن غاية أيدولوجيّة للصهاينة في تحقيق «يهوديّة الدولة»، ولا مانع وقتها من تهجير فلسطينيي الداخل المحتل، كما يحصل اليوم في مخيّمات الضفّة الغربيّة؛ فعلاوة على محاولة تقويض حواضن المقاومة فيها، تمثّل المخيّمات عنوان العودة في التأصيل لطبيعة الصراع مع العدوّ، والنقيض المباشر لمشروع التّهجير.
مشروع التّهجير دق ناقوس الخطر لدى الدول التي تملك اتفاقات تطبيع أو تسعى إليه، لأنه يمسّها بشكل مباشر، وضمن سقوفها المنخفضة، رفضته بشكل رسمي مع طرح مشروع بديل تمخضت عنه القمة العربيّة الأخيرة، يضع إعادة الإعمار في غزّة ضمن الأولويّات، ويعيد إنتاج سلطة أوسلو كبديل عن قوى المقاومة، لكن أخطر ما في هذا الطرح، محاولة تدويل المسألة بنشر قوّات أجنبيّة في القطاع، وعلى هذا المنوال يتم تداول أمر مشابه في جنوب لبنان.
لم يستطع النظام الرسمي العربيّ حتى اللحظة أن يوظّف ورقة المقاومة في مصلحته (ولا يرتجى منه ذلك)، فما يزال يلتقي مع الرؤية الأميركيّة في وجوب تحييدها، ولكن الجميع يعلم أن المعضلة الحقيقية أمام إعادة تعريف إسرائيل، كمركز ثقل استعماري مستقر، هو المقاومة.
من هنا يأتي «الطوفان» كعمل استباقيّ، ثم انخراط المقاومة في لبنان ضمن جبهة الإسناد، والفشل الصهيوني الذريع في تحقيق هدف مستحيل اسمه «القضاء على المقاومة»، ثم عقلنته تدريجيّاً نحو تسليم سلاح المقاومة؛ لذلك يقايض عليه بإعادة الإعمار في غزة ولبنان، وفي الذهاب نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النّار.
يستشعر الصهيوني الخطر الوجودي هنا، وما جنته عليه خسارته الإستراتيجية للحرب في جوانب عدة تظهر تباعاً في حجم الخسائر الاقتصادية والعسكرية، وتزعزع الجبهة الداخلية؛ فرغم الميزانية المفتوحة، أدى وظيفته بشكل سيئ، وهناك أسئلة تفرض نفسها عليه في هذا السّياق: كيف سيتعاطى مع التزام المقاومة في فلسطين ولبنان بأن سلاحها خط أحمر؟ بل كيف سيتعاطى الأميركي مع المعطى اليمنيّ الذي يهدّد مشروعه الكبير؟ ماذا بقي لمنظومة الهيمنة الغربية ولم تجرّبه في الحرب؟
هل سينجحون أصلاً في تحييد إيران ومنع العراق من لعب دور ما؟ هل يكفي العدو أن يحيط نفسه بمزيد من الأحزمة الأمنيّة والأسوار؟ وهل من معنى أن تكون أحزمته الأمنيّة وأسواره إلا شعوراً بخطر وجوديّ يتهدّده؟
نظراً إلى زخم الأحداث ووتيرتها المتسارعة، يصعب التنبؤ بالقادم، ولكن المنطق يقول إن ما فشل العدو بتحقيقه في الحرب، لن يفلح في تحقيقه بغيرها.
عوداً على بدء، في اليوم الذي نفّذ فيه العدوّ الصهيونيّ اغتياله لسيّد شهداء الأمّة، سماحة السيّد حسن نصرالله، وقف نتنياهو على منبر الجمعية العموميّة للأمم المتّحدة، رافعاً صورتين: النّقمة وما فيها من أعداء للكيان، والنّعمة التي رُسِمَ فيها طريق يمتد من الهند نحو أوروبا… كل الطرق تؤدّي إلى فلسطين!


